في 30 نوفمبر من عام 2022، أعلنت شركة OpenAI عن ChatGPT، ومنذ تلك اللحظة شهد سوق الذكاء الاصطناعي تطورًا تكنولوجيًا غير مسبوق. هذا التطور لم يبق محصورًا في قطاع التقنية فقط، بل انعكس على العديد من القطاعات والشركات، وحتى على الاقتصاد نفسه. فالهدف الأساسي من استخدام الذكاء الاصطناعي هو جعل الأعمال أسهل وأسرع في الإنجاز. ولكن إذا سألت شريحة واسعة من الموظفين والطلاب الجامعيين في عام 2026 عن نظرتهم إلى الذكاء الاصطناعي، ستجد أن النظرة العامة ما زالت مليئة بالخوف أو السلبية.
تخوف مبرر أم مبالغة ستختفي؟
لا شك في أن الكثير من الأعمال التي كانت تتطلب في السابق عددًا كبيرًا من الموظفين لإنجازها أصبحت اليوم تحتاج إلى شخص واحد أو بضعة أشخاص فقط. وهذا خلق ضغطًا كبيرًا في سوق العمل، خصوصًا مع تراجع فرص العمل الجديدة في بعض القطاعات، وعلى رأسها قطاع التكنولوجيا. كما أن العديد من الشركات الكبرى قامت خلال السنوات الماضية بعمليات تسريح واسعة، مما عزز فكرة أن كثيرًا من الموظفين يمكن الاستغناء عنهم دون أن يتأثر سير العمل داخل الشركات بشكل واضح.
هذا الواقع عزز التخوف لدى شريحة واسعة من الشباب من أن مستقبل العمل نفسه أصبح في خطر. لكن عند النظر إلى التاريخ، نجد أن هذا التخوف ليس جديدًا. فقد ظهر خلال الثورة الصناعية عندما استبدلت الآلات كثيرًا من الأعمال اليدوية، إلا أن سوق العمل أعاد تشكيل نفسه مع ظهور مهارات ووظائف جديدة.
ما يثير الخوف اليوم هو أن تطور الذكاء الاصطناعي يتم بوتيرة متسارعة، وقد لا يمنح الأفراد الوقت الكافي للاستعداد لسوق العمل الجديد والمهارات المطلوبة فيه. وهذا تخوف مبرر. لكن عند النظر من زاوية أخرى، نجد أن الصورة العامة لم تتغير جذريًا: ما يحدث هو انتقال في المهارات المطلوبة من شكل إلى آخر، وحاجة الأفراد إلى التأقلم مع هذا الانتقال، سواء قصرت مدة التغير أم طالت.
فحتى لو أصبحت نماذج الذكاء الاصطناعي أو الروبوتات قادرة على تنفيذ جزء من الأعمال اليومية، فإن هذه الأنظمة ستظل بحاجة إلى صيانة وتطوير وتقييم وتخصيص. والأدق أن الشركات غالبًا لن تبني نماذج جديدة من الصفر، بل ستعمل على تخصيص النماذج الموجودة وربطها ببياناتها الداخلية وأنظمتها الخاصة، وبناء واجهات استخدام مناسبة لها، ووضع سياسات للتحقق من جودة المخرجات وحماية البيانات.
وهذا بدوره يخلق أنواعًا جديدة من الوظائف، مثل مهندسي حلول الذكاء الاصطناعي، ومهندسي البيانات، ومختصي تقييم مخرجات النماذج، وخبراء أمن وخصوصية البيانات، ومختصي الحوكمة، ومدربي استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات، إضافة إلى خبراء المجالات الذين يعملون مع الفرق التقنية لتحويل المعرفة المتخصصة إلى حلول عملية.
وعبر السنوات الماضية، نجد أن كثيرًا من هذه الأدوات والحلول يتم بناؤها أو تخصيصها لصالح شركات محددة للاستخدام الداخلي، ولا يتم مشاركتها مع الشركات الأخرى. وهذا يخلق تنافسية عالية في السوق، وفي الوقت نفسه يخلق حاجة إلى مزيد من الأشخاص القادرين على إنتاج حلول مشابهة أو تخصيص حلول موجودة بما يناسب احتياجات الشركات على المدى الطويل.
خطر متصاعد: غياب المهارات البشرية
لعل من أكبر مخاطر فكرة أن الذكاء الاصطناعي سيستبدل العامل البشري بالكامل أن سوق العمل، ومنه السوق البرمجي، كان يقوم تاريخيًا على فكرة التدرج في بناء المهارات. فالشركة تبني فريقًا تقنيًا يضم عددًا من أصحاب الخبرة العالية، ثم عددًا أكبر من أصحاب الخبرات المتوسطة، ثم عددًا جيدًا من حديثي التخرج والمتدربين الجامعيين.
وتقوم هذه الفكرة على أن كل مستوى وظيفي يتعلم من المستوى الأعلى منه. فحديثو التخرج والمتدربون يتعلمون من أصحاب الخبرة المتوسطة، وأصحاب الخبرة المتوسطة يتعلمون من أصحاب الخبرة العالية. وبهذه الطريقة تنتقل المعرفة البشرية داخل المؤسسة وتتطور مهارات الأفراد مع الوقت.
لكن عند قيام الشركات بتوكيل الذكاء الاصطناعي بمعظم المهام التي كان يقوم بها حديثو التخرج والمتدربون، بسبب سهولة هذه المهام وقدرة الذكاء الاصطناعي على إنجاز جزء كبير منها بسرعة، فإن هذه السلسلة قد تنكسر. فقد كان إعداد المسودات، والبحث الأولي، وتلخيص المستندات، وكتابة الشيفرات البسيطة، وتجهيز النماذج الأولية، جزءًا مهمًا من رحلة التعلم داخل العمل.
وإذا اختفت هذه المهام من أيدي المبتدئين بالكامل، فقد نجد بعد بضع سنوات أن المهارات البشرية في مجال التكنولوجيا أصبحت أقل مما يحتاجه السوق، وقد نحتاج وقتًا طويلًا لتعديل المسار وإعادة بناء كمية كافية من الخبرات.
لهذا، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في أن الذكاء الاصطناعي قد يقلل عدد بعض الوظائف، بل في أنه قد يغيّر طريقة صناعة الخبرة نفسها. وهنا يصبح السؤال الأهم ليس: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظائفنا؟ بل: كيف نعيد تصميم التعليم والتدريب والعمل حتى يصبح الذكاء الاصطناعي أداة لتطوير الإنسان، لا سببًا في قطع الطريق أمام الجيل الجديد من دخول سوق العمل؟
التكيف مع سوق العمل الجديد
في النهاية، لا يبدو أن السؤال الأهم اليوم هو: هل سيقضي الذكاء الاصطناعي على الوظائف؟ بل السؤال الأدق هو: كيف سيغيّر الذكاء الاصطناعي شكل العمل، وطريقة الدخول إلى سوق العمل، وطريقة بناء الخبرة؟
فالذكاء الاصطناعي لن يؤثر في جميع الوظائف بالطريقة نفسها، ولن يستبدل الإنسان في كل المجالات، لكنه سيعيد توزيع المهام داخل كثير من الوظائف. بعض المهام ستصبح أسرع، وبعضها سيصبح آليًا، وبعضها سيحتاج إلى مهارات جديدة في التوجيه والمراجعة والتحقق. ولهذا، فإن تجاهل هذا التحول خطأ، والمبالغة في الخوف منه خطأ أيضًا.
المستقبل لن يكون فقط لمن يعرف كيف يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي، بل لمن يعرف كيف يفهم مخرجاتها، ويقيّمها، ويصححها، ويوظفها داخل سياق حقيقي. كما أن مسؤولية الشركات والمؤسسات التعليمية لن تكون فقط في تبنّي هذه الأدوات، بل في إعادة تصميم التدريب والعمل بحيث لا يتحول الذكاء الاصطناعي إلى بديل عن بناء الخبرة البشرية، بل إلى وسيلة لتسريعها وتطويرها.
لذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام سوق العمل ليس الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل الطريقة التي سنختار أن نستخدمه بها. فإذا تعاملنا معه كأداة لإلغاء الإنسان، سنخلق فجوة مهارية أكبر. أما إذا تعاملنا معه كأداة لرفع قدرة الإنسان، فقد نفتح بابًا لفرص جديدة، ووظائف مختلفة، وخبرات بشرية أقوى من قبل.
عن الكاتب ومقدم التخصص
بشار الرفوع مهندس ذكاء اصطناعي يعمل مع إحدى الشركات الناشئة في وادي السيليكون بالولايات المتحدة، ويهتم ببناء تطبيقات وتقنيات تعتمد على الذكاء الاصطناعي وتوظيفها لحل مشكلات واقعية. وخلال مسيرته المهنية، قدّم العديد من الدورات وورش العمل لطلبة الجامعات، انطلاقًا من إيمانه بأهمية الذكاء الاصطناعي ودوره المتزايد في تشكيل مستقبل العمل والتكنولوجيا.
ومن خلال خبرته العملية ومتابعته المباشرة للتحولات التي يشهدها سوق العمل، جاءت مساهمته في تطوير تخصص “الذكاء الاصطناعي من أجل التوظيف” بالتعاون مع إدراك، بهدف تقديم محتوى عربي عملي يبسّط مفاهيم الذكاء الاصطناعي، ويساعد المتعلمين على فهم تأثيره المتزايد على الوظائف والمهارات المطلوبة في المستقبل.



