القادرون على الفعل غير قادرين على التدريس

نصيحة لطلاب الجامعات: أفضل الخبراء في بعض الأحيان يكونون أسوأ المعلمين.

طالما سمعنا إذا كنت تريد أن تكون رائعًا في شيء ما، فتعلم من الأفضل. ما الذي يمكن أن يكون أفضل من أن تتعلم الفيزياء من ألبرت أينشتاين؟

كما تبين، هناك ما هو أفضل بكثير. فبعد ثلاث سنوات من نشر أول ورقة تاريخية له حول النسبية، قام أينشتاين بتدريس أول مادة له في جامعة بيرن. ولم يكن قادرا على جذب الكثير من الاهتمام إلى موضوع الديناميكا الحرارية المعقد: فلم يسجل لدراسة المادة سوى ثلاثة طلاب فقط، وكانوا جميعا أصدقاء له.  في الفصل التالي اضطر إلى إلغاء الصف إذ لم يسجل فيه سوى طالب واحد فقط. بعد بضع سنوات، عندما تولى أينشتاين منصبا في المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيوريخ، أثار الرئيس مخاوفا بشأن مهارات أينشتاين التعليمية الباهتة. في النهاية حصل آينشتاين على الوظيفة بعد أن أيده صديق له، ولكن هذا الصديق قد اعترف بأن أينشتاين "ليس متحدثًا جيدًا". وكما لخص كاتب سيرته والتر إيزاكسون، "لم يكن أينشتاين أبدا معلمًا ملهمًا، وكان ينظر الى محاضراته باعتبارها غير منظمة".

وبالرغم أنه غالباً ما يقال إن غير القادرين على الفعل يدرسون، إلا أن الحقيقة هي أن أفضل القادرين على الفعل غالباً ما يكونون أسوأ المعلمين.

قبل عقدين من الزمن، وصلت إلى جامعة هارفارد كطالب جامعي متحمسا لإرواء عطشي من تألق الأساتذة الذين فازوا بجوائز نوبل وبوليتزر. ولكن، وبحلول نهاية الشهر الأول من سنتي الأولى، أصبح واضحا أن هؤلاء الخبراء العالميين هم أسوأ أساتذتي. أستاذي البارز في تاريخ الفن كان يتحدث بحماسة عن منحوتات مايكل أنجلو على حجر بييترا سيرينا ولكنه لم يوضح لماذا كان ذلك مهما. علمنا أستاذ الفيزياء الفلكية الشهير كيف بدا الكون وبأنه يتوسع، ولكن لم يكلف نفسه عناء شرح ما معنى أن الكون بدا بأنه يتوسع (وما زلت في انتظار شخص ما لإزالة الغموض عن ذلك).

لم يكن الأمر أنهم غير مهتمين بالتدريس. لقد كانوا يعرفون الكثير عن مواضعهم، وكانوا قد أتقنوها منذ فترة طويلة فكان صعبا عليهم فهم جهلي بها. علماء الاجتماع يقولون أنها لعنة المعرفة. وكما يقول عالم النفس سيان بيلوك، وهو الآن رئيس كلية بارنارد، "عندما تغدو أفضل وأفضل فيما تفعله، فإن قدرتك على نقل فهمك أو مساعدة الآخرين على تعلم هذه المهارة تغدو على الأغلب أسوأ فأسوأ".

وصلت الى قناعة بأننا إذا أردنا أن تتعلم شيئًا جديدًا، فهناك ثلاثة عوامل يجب أن نضعها في اعتبارنا عند اختيار المعلم – سواء كان أستاذًا أو معلمًا أو مدرب كرة قدم.

أولاً، الإنتباه إلى المدة التي مرت منذ أن درس المعلم المادة. تميل جامعات النخبة إلى التفاخر بأن معظم الصفوف يدرسها أعضاء هيئة التدريس العليا. ومع ذلك، كان معظم أفضل أساتذتي تدريسا خريجي دراسات عليا جدد. ولأنهم كانوا قد انتهوا للتو من تعلم المواد، كان من السهل عليهم تذكر حال المبتدئين. فبدلًا من أن يدرسك أشخاص تعلموا أكثر من غيرهم، يمكن أن يكون من الحكمة أن يدرسك أشخاص أنهوا تعليمهم حديثًا.

ثانيًا، ضع في اعتبارك الصعوبة التي واجهها المعلم في استيعاب المادة.  غالبًا ما ننجذب نحو االعباقرة من أمثال أينشتاين لأن خبرتهم تبدو وكأنها جاءت بدون تعب.  هذا خطأ. يجب أن نتعلم من المتفوقين الذين تخطوا التوقعات: الأشخاص الذين يحققون الكثير بقدر أقل من المواهب والفرص.

في المدرسة الثانوية وفي الجامعة، تنافست كغطاس يقف على منصة الوثب، وسألت ذات مرة لاعب أولمبي إذا كان لديه خدعة لتعلم القيام بثلاثة شقلبات ونصف. كان جوابه ما يلي: اصعد في كرة ودر بسرعة. كان لديه موهبة طبيعية قوية جدًا لدرجة أنه لم يكن مضطرا لتعلم الآلية. كان يقوم بها بتلقائية.  كان التفسير الأكثر فائدة هو الذي حصلت عليه من مدربي، إيريك بيست، الذي أمضى سبع سنوات وهو يحاول أن يقوم بهذه الغطسة بشكل صحيح وكان قادراً على إطلاعي على كيفية القيام بذلك بوضوح مذهل. فالقدرات البدنية المحدودة التي منعته من أن يصبح غواصًا من العيار الأولمبي دفعته إلى اكتساب المعرفة ليصبح مدربًا للاعبي الأولمبياد.

ثالثًا، ركّز أيضا على مدى نجاح المعلم في نقل المادة أو ايصال المعلومة، بنفس مستوى تركيزك على مدى معرفة المعلم بالمادة.  إيصال المعلومة بشكل واضح و سليم صعب بشكل خاص بالنسبة للخبراء الذين يدرّسون الصفوف الأساسية. قد يكون ذلك أحد الأسباب وراء الدراسات التي تظهر على أنه عندما يأخذ طلاب الجامعات صفًا تمهيديًا مع محاضر غير مؤهل لعقد دائم من الجامعة فإنهم يحصلون على علامات أعلى في الصفوف التالية  المتقدمة في نفس المادة.

لهذا السبب فأنا أوصي بإنشاء مسارات تفرغ منفصلة للمعلمين والباحثين. فبدلاً من مجرد التعلم من باحثين يقضون أيامهم في تقسيم الخلايا في المختبر أو إطلاق الشيفرة أمام الكمبيوتر، يمكنك أن تأخذ دروسًا مع أشخاص يدرسون الأساليب الأكثر فعالية في تدريس انقسام الخلية وجافا سكريبت JavaScript.

وهنا عيب آخر في الإشاعة الكاذبة التي تقول أن "غير القادرين على الفعل يعلمون": المعلمون غالبا ما يصبحون فاعلين عظماء.

فمن المعروف أن أفضل طريقة لتعلم شيء ما هو ليس القيام به ولكن تعليمه. ستتمكن من الفهم بشكل أفضل بعد شرح المادة – وتتذكرها بشكل أفضل بعد استرجاعها ومشاركتها.

كلما اكتسبت خبرة في دراسة مهارة ما وشرحها، فانك قد تحسّن بالفعل قدرتك على تطبيق هذه المهارة والاستفادة منها عمليا. المثال القوي يأتي من دراسة ما يحدث عندما يصبح المعلمون في موقع الفعل. فعلى الرغم من أن تعيين أستاذة كلية إدارة الأعمال كمديرين تنفيذيين يبدو وكأنه فكرة سيئة، تمكن الباحثون من العثور على أكثر من 200 شركة قامت بذلك. وبالمقارنة مع منافسين مطابقين مطابقة قريبة يعملون في المجال نفسه، حققت الشركات التي لديها أساتذة سابقون في رتب تنفيذية إيرادات أعلى بكثير لكل موظف، خاصة في الشركات التي عينت الأساتذة السابقون في مناصب نائب الرئيس حيث يمكن الاستفادة من خبراتهم الأكاديمية بشكل فعّال. المعرفة التي اكتسبوها في البحث والتدريس لم تمنعهم من اتخاذ قرارات جيدة؛ وفي الواقع، يبدو أنها كانت مساعدة.

في مجال التعليم، نفترض في كثير من الأحيان أن مهنة ناجحة تؤهل الشخص للتدريس. هذا هو السبب في أن كليات إدارة الأعمال تحب توظيف المديرين التنفيذيين السابقين كأساتذة. لكننا نفعل ذلك في الاتجاه المعاكس: يجب أن نرسل المعلمين لإدارة الأعمال.

بالطبع، ربما يكون هناك انحياز في البيانات: ربما كان الأساتذة الأكفاء فقط هم الذين حصلوا على وظائف تنفيذية. لكن هذا يعزز وجهة نظري بأن القدرة على الفعل والتعليم هما مهارتان منفصلتين.  أن تكون جيدًا في واحدة منهما لا يعني أنك سيئ في الآخرى.

قبل أن تقوم الجامعات بتوظيف المتفوقين فإنه من الأفضل لها معرفة ما إذا كان بإمكانهم التدريس. وقبل أن تبحث عن خبير كمعلم أو مدرب لك، تذكر أن الأمر لا يتعلق فقط بما يعرفه هذا المعلم؛ بل يتعلق أيضا بمدى الحداثة والسهولة التي تعلم بها، ومدى وضوحه وحماستة في توصيل معارفه. تكشف الدراسات التي أجراها علماء وموسيقيون ورياضيون وفنانون من الطراز العالمي بأنهم لم يكن لديهم معلمين أو مدربين من الطراز الرفيع في سن مبكر: بل بدأوا مع معلمين أو مدربين جعلوا  التعلم ممتعا.

أن تكون عالماً فيزيائيًا عظيما لا يجعل منك مدرس فيزياء رائع. لا تريد أن تأخذ أول درس فيزياء لك مع آينشتاين. بل تريد أن تتعلم من أحد أفراد تلاميذه المقربين الذي أمضى سنوات في معرفة كيفية شرح ما الذي سيحصل عند ملاحقة شعاع من الضوء، شغل أينشتاين الشاغل، الذي أحدث ثورة في تاريخ العلم.

ادم غرانت
نيويورك تايمز 2018

Original Article: https://nyti.ms/2A08ws8

© 2018 The New York Times

Facebook Comments
شارك المعرفة

علق أشخاص على هذه التدوينة.

  1. دريد says:

    مقاله رائعه جدا.. حقا في بعض الاحيان عندما تكون متمكنا جيدا في عملك يصعب عليك وضع طريقه لشرح ماتقوم به من عمل . ولكن مع ذلك وفي كثير من الاحيان فان طريقة شرحك للمادة ومستوى استيعابك لها تاتي من مدى معرفتك بها فمثلا عنما تكون انت من قام بالعمل او الفحص او العمل في المختبر ..سوف تكون قادرا على توضيح جوانب عملك بدقة عاليه وتكون قادراا على اجابة كل الاسئلة الموجهه اليك بسبب رؤيتك للنتائج على ارض الواقع .

  2. بداني حورية says:

    كانت لدي تجربة رائعة في مجال الدعم المدرسي مع تلاميذ الثالثة ثانوي..حيث كنت أقوم بتوزيع التلاميذ الى مجموعات صغيرة يشرف عليها أحسنهم استيعابا للدرس .فلاحظت أنهم يفهمون و يستوعبون ما يقدمه زميلهم أفضل مما يستوعبون مع أساتذتهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *